جديد الاستشارات
عنوان الاستشارة : نار الغضب
السؤال :

أغضب أحياناً وأكتم غيظي، لكني أخشى على نفسي وجسمي من هذا الكتمان، فأنا مريض مرضاً عصبياً، وعلمت أن الكتمان ربما يزيد من هذا المرض. فماذا أفعل؟

اسم المستشار : د. محمد بن عبد العزيز اللاحم
الإجابة :


أخي الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الغضب: هو حالة نفسية، تبعث على هياج الإنسان وثورثه قولاً أو عملاً، وهو مفتاح الشرور و رأس الآثام.

وهو أحد مداخل الشيطان الأربعة (الغضب - الحزن - الفرح - الخوف) 

قد يكون منشأ الغضب انحرافاً صحيًّا، كاعتلال الصحة العامة، أو ضعف الجهاز العصبي، مما يسبب سرعة التهيج العصبي. وقد يكون المنشأ نفسيًّا، منبعثاً عن الإجهاد العقلي، أو المغالاة في الأنانية، أو الشعور بالإهانة والاستنقاص، ونحوها من الحالات النفسية التي سرعان ما تستفز الإنسان، و تستثير غضبه. وقد يكون المنشأ أخلاقيًّا كتعوّد الشراسة، وسرعة التهييج مما يوجب رسوخ عادة الغضب في
صاحبه


كما أن الغضب له الجانب الإيجابي في الإنسان، فالغضب غريزة هامة، تلهب في الإنسان روح الحمية والإباء وتبعثه على التضحية والفداء، في سبيل أهدافه الرفيعة، ومثله العليا، كالذود عن العقيدة، وصيانة الأرواح والأموال والكرامات، ومتى تجرد الإنسان من هذه الغريزة صار عرضة للهوان والاستعباد، ولكن هذا الغضب يعتبر غضباً محموداً ما دام لله وضمن ضوابط العقل والشرع، ويعتبر مذموماً إذا أفرط فيه الإنسان، وخرج عن الضوابط الشرعية.
ولقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف الغضب في وجهه "قسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهَ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ" رواه البخاري


نستنتج من ذلك: أن الغضب المذموم ما أفرط فيه الإنسان و خرج به عن الاعتدال، متعدياً ضوابط العقل والشرع، أما المعتدل فهو كما عرفت، من الفضائل المشرقة التي تعزز الإنسان، و ترفع معنوياته، كالغضب عن المنكرات، وإذا انتهكت المحارم، حيث إن الغيرة تبعث الغضب المحمود. أما إن كنت يا أخ خالد تغضب لأتفه الأسباب، ويكون منشأ الغضب عندك انحرافاً صحيًّا، كاعتلال الصحة العامة، أو ضعف الجهاز العصبي، مما يسبب سرعة التهيج العصبي فهذا يحتاج منك إلى علاج قد يتطلب الذهاب إلى طبيب نفسي، وهذه حالة معروفة عند الأطباء النفسيين

وإن كانت حالتك معتدلة ولا تتطلب علاجاً، فربما هو قصور في وعيك الذي يجعلك لا تتفهم الأمور وتقدر النفوس وتتريث في الأحكام، حيث إن أهم مقومات العيش السعيد في هذا الزمن الصبر على الناس وتحمل أذاها، وذلك من أخلاق الإسلام التي حث عليها:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ"رواه الإمام أحمد في مسنده



والغضب قطعا من الشيطان،ولذالك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الغضبان بالوضوء، لأنه يطفئ الغضب. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ" رواه أبو داوود. 
ثم أرشد صلى الله عليه وسلم إلى الاستعاذة من الشيطان. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: قَالَ اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ أَنْفَهُ يَتَمَزَّعُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُهُ مِنْ الْغَضَبِ، فَقَالَ: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ثم أرشد صلى الله عليه وسلم إلى أن يغير الإنسان من وضعه. عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا: إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ، وعليك أخي خالد بالإكثار من ذكر الله ودعائه، فإن ذلك يهذب الخلق ويطرد الشيطان ويعين على الصبر، وفقك الله لطاعته، وعصمنا وإياك من كيد الشيطان ونزغاته.
أسال الله أن ينفع بكم

روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: (لا تغضب)، فردد مرارا قال: (لا تغضب) رواه البخاري. 
ثبت علميًّا أن الغضب كصورة من صور الانفعال النفسي يؤثر على قلب الشخص الذي يغضب تأثير العدو أو الجري على القلب، وانفعال الغضب يزيد من عدد مرات انقباضاته في الدقيقة الواحدة، فيضاعف بذلك كمية الدماء التي يدفعها القلب، أو التي تخرج منه إلى الأوعية الدموية مع كل واحدة من هذه الانقباضات أو النبضات، وهذا بالتالي يجهد القلب لأنه يقسره على زيادة عمله عن معدلات العمل الذي يفترض أن يؤديه بصفة عادية، أو ظروف معينة، إلا أن العدو أو الجري في إجهاده للقلب لا يستمر طويلا؛ لأن المرء يمكن أن يتوقف عن الجري إن هو أراد ذلك، أما في الغضب فلا يستطيع الإنسان أن يسيطر على غضبه، لا سيما وإن كان قد اعتاد على عدم التحكم في مشاعره، وقد لوحظ أن الإنسان الذي اعتاد على الغضب يصاب بارتفاع ضغط الدم، ويزيد عن معدله الطبيعي، حيث إن قلبه يضطر إلى أن يدفع كمية من الدماء الزائدة عن المعتاد المطلوب، كما أن شرايينه الدقيقة تتصلب جدرانها وتفقد مرونتها وقدرتها على الاتساع لكي تستطيع أن تمرر أو تسمح بمرور أو سريان تلك الكمية من الدماء الزائدة التي يضخها هذا القلب المنفعل، ولهذا يرتفع الضغط عند الغضب، هذا بخلاف الآثار النفسية والاجتماعية التي تنجم عن الغضب في العلاقات بين الناس، والتي تقوّض من الترابط بين الناس، ومما هو جدير بالذكر أن العلماء كانوا يعتقدون في الماضي أن الغضب الصريح ليس له أضرار، وأن الغضب المكبوت فقط هو المسؤول عن كثير من الأمراض، ولكن دراسة أمريكية حديثة قدمت تفسيرا جديدا لتأثير هذين النوعين من الغضب مؤداه أن الكبت أو التعبير الصريح للغضب يؤديان إلى الأضرار الصحية نفسها، وإن اختلفت حدتها، ففي حالة الكبت قد يصل الأمر عند التكرار إلى الإصابة بارتفاع ضغط الدم، وأحيانا إلى الإصابة بالسرطان، أما في حالة الغضب الصريح وتكراره فإنه يمكن أن يؤدي إلى الإضرار بشرايين القلب، واحتمال الإصابة بأزمات قلبية قاتلة؛ لأن انفجار موجات الغضب قد يزيده اشتعالا، ويصبح من الصعب التحكم في الانفعال مهما كان ضئيلا، فالحالة الجسمانية للفرد لا تنفصل عن حالته النفسية مما يجعله يسري بسرعة إلى الأعضاء الحيوية في إفراز عصاراتها ووصول معدل إفراز إحدى هذه الغدد إلى حد سدّ الطريق أمام جهاز المناعة في الجسم، وإعاقة حركة الأجسام المضادة المنطلقة من هذا الجهاز عن الوصول إلى أهدافها، الأخطر من ذلك كله أن بعض الأسلحة الفعالة التي يستخدمها الجسم للدفاع عن نفسه والمنطلقة من غدة حيوية تتعرض للضعف الشديد نتيجة لإصابة هذه الغدة بالتقلص عند حدوث أزمات نفسية خطيرة، وذلك يفسر احتمالات تحول الخلايا السليمة إلى سرطانية في غيبة النشاط الطبيعي لجهاز المناعة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوصانا بعدم الغضب، ومن هنا تظهر الحكمة العلمية والعملية في تكرار الرسول صلى الله عليه وسلم توصيته بعدم الغضب

المصدر "الإعجاز العلمي في الإسلام والسنة النبوية" محمد كامل عبد الصمد الغضب وآثاره السلبية.... يقول الدكتور أحمد شوقي إبراهيم عضو الجمعية الطبية الملكية بلندن، واستشاري الأمراض الباطنية والقلب.. إن الميول الإنسانية تنقسم إلى أربعة أقسام، ويختلف سلوك وتصرفات الأشخاص باختلاف هذه الميول ومدى السيطرة عليها: الميول الشهوانية وتؤدي إلى الثورة والغضب.. الميول التسلطية وتؤدي إلى الكبر والغطرسة وحب الرياسة.. الميول الشيطانية وتسبب الكراهية والبغضاء للآخرين. ومهما كانت ميول الإنسان فإنه يتعرض للغضب فيتحفز الجسم ويرتفع ضغط الدم فيصاب بالأمراض النفسية والبدنية مثل السكر والذبحة الصدرية. وقد أكدت الأبحاث العلمية أن الغضب وتكراره يقلل من عمر الإنسان. لهذا ينصح الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في حديثه لا تغضب، وليس معنى هذا عدم الغضب تماما، بل عدم التمادي فيه، وينبغي أن يغضب الإنسان إذا انتهكت حرمات الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمن يغضب: وإذا غضب أحدكم فليسكت.. لأن أي سلوك لهذا الغاضب لا يمكن أن يوافق عليه هو نفسه إذا ذهب عنه الغضب، ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان.. والقرآن الكريم يصور الغضب قوة شيطانية تقهر الإنسان وتدفعه إلى أفعال ما كان يأتيها لو لم يكن غاضبا، فسيدنا موسى ألقى الألواح وأخذ برأس أخية يجره إليه.. فلما ذهب عنه الغضب.. ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح.. وكأن الغضب وسواس قرع فكر موسى ليلقي الألواح.. وتجنب الغضب يحتاج إلى ضبط النفس مع إيمان قوي بالله، ويمتدح الرسول صلى الله عليه سلم هذا السلوك في حديثه.. ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.. ولا يكون تجنب الغضب بتناول المهدئات؛ لأن تأثيرها يأتي بتكرار تناولها، ولا يستطيع متعاطي المهدئات أن يتخلص منها بسهولة، ولأن الغضب يغير السلوك فإن العلاج يكون بتغيير سلوك الإنسان في مواجهة المشكلات اليومية، فيتحول غضب الإنسان إلى هدوء واتزان.... ويضيف الدكتور أحمد شوقي.. إن الطب النفسي توصل إلى طريقتين لعلاج المريض الغاضب.. الأولى: من خلال تقليل الحساسية الانفعالية، وذلك بتدريب المريض تحت إشراف طبيب على ممارسة الاسترخاء مع مواجهة نفس المواقف الصعبة، فيتدرب على مواجهتها بدون غضب أو انفعال.. الثانية: من خلال الاسترخاء النفسي والعضلي وذلك لأن يطلب الطبيب من المريض أن يتذكر المواقف الصعبة، وإذا كان واقفا فليجلس أو يضطجع ليعطيه فرصة للتروي والهدوء.. هذا العلاج لم يتوصل إليه الطب إلا في السنوات القليلة الماضية،
بينما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في حديثه.. إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإذا ذهب عنه الغضب أو فليضطجع


المصدر "مجلة الإصلاح العدد 296 سنة 1994" من ندوات جمعية الإعجاز العلمي للقرآن في القاهرة
 

مارأيك في فكرة المشروع ؟
   
  مقبول
  جيد
  ممتاز
 
نماذج من السنة المطهرة لغرس القيم المزيد
المنظومة القيمية المزيد
سلامة الصدر من الأحقاد المزيد
تعرف معنا على مفهوم القيم المزيد
القيم المتضمنة في مقرر الحديث للصف الثالث المتوسط المزيد
خصائص القيم المزيد
لقاء د.فؤاد مع قناة المجد الفضائية المزيد
   

عداد الزوار



:286636


الاسم
الجوال
الأميل